صديق الحسيني القنوجي البخاري
14
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثم ذكر العلة في تسخير البحر فقال : لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا المراد به السمك ووصفه بالطراوة للاشعار بلطافته والارشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة ، قال قتادة : يعني حيتان البحر ، وقال السدي : وما فيه من الدواب وبدأ بذكر الأكل لأنه أعظم المقصود وبه قوام البدن . وتسميته لحما هو مذهب المالكية بخلاف الشافعية والحنفية وعلى هذا فلو حلف لا يأكل لحما لا يحنث بأكل السمك ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء ملح ؛ والطراوة ضد اليبوسة أي غضا جددا ؛ ويقال طريت كذا أي جددته وأطريت فلانا مدحته بأحسن ما فيه ويقال بالغت في مدحه وجاوزته . وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ أي من البحر وهو الملح فقط حِلْيَةً أي لؤلؤا ومرجانا كما في قوله سبحانه : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [ الرحمن : 22 ] والحلية اسم لما يتحلى به وأصلها الدلالة على الهيئة كالعمة وفي المصباح حلى الشيء بعيني وبصدري من باب تعب حلا وحسن عندي وأعجبني ، وحليت المرأة حليا ساكن اللام لبست الحلي وجمعه حلي ، والأصل على فعول مثل فلس وفلوس والحلية بالكسر الصفة والجمع حلى مقصور وتضم الحاء وتكسر وحلية السيف زينته . قال ابن فارس : ولا تجمع وتحلت المرأة لبست الحلي أو اتخذته وحليتها بالتشديد ألبستها الحلي أو اتخذته لها لتلبسه وحليت السويق جعلت فيه شيئا حلوا حتى حلا . وظاهر قوله : تَلْبَسُونَها إنه يجوز للرجال أن يلبسوا اللؤلؤ والمرجان أي يجعلونهما حلية لهم كما يجوز للنساء ولا حاجة لما تكلفه جماعة من المفسرين في تأويل قوله تلبسونها بقولهم تلبسها نساؤهم لأنهن من جملتهم أو لكونهن يلبسنها لأجلهم . وليس في الشريعة المطهرة ما يقتضي منع الرجال من التحلي باللؤلؤ والمرجان ما لم يستعمله على صفة لا يستعمله عليها إلا النساء خاصة فإن ذلك ممنوع قد ورد الشرع بمنعه من جهة كونه تشبها بمن لا من جهة كونه حلية لؤلؤ أو مرجان ؛ وعن أبي جعفر قال : ليس في الحلي زكاة ثم قرأ هذه الآية وأخرجه أبي شيبة . أقول وفي هذا الاستدلال نظر والذي ينبغي التعويل عليه أن الأصل البراءة من الزكاة حتى يرد الدليل بوجوبها في شيء من أنواع المال فتلزم ، وقد ورد في الذهب والفضة ما هو معروف ولم يرد في الجواهر على اختلاف أصنافها ما يدل على وجوب الزكاة فيها . وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ أي ترى السفن شواق للماء تدفعه بصدورها ، قال عكرمة ومخر السفينة شقها الماء بصدرها ، قال الجوهري : مخر السابح إذا شق الماء بصدره ومخر الأرض شقها للزراعة ، وقيل مواخر جواري قاله ابن عباس وأصل المخر الجري .